ناثان ج. براون
{
"authors": [
"ناثان ج. براون"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace",
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"regions": [
"المشرق العربي",
"إسرائيل",
"الولايات المتحدة",
"إيران"
]
}المصدر: Getty
حروب إسرائيل الأبدية
لم تَعُد استراتيجية الدولة العبرية تتركّز على الردع والدبلوماسية، بل باتت تتمحور حول الهيمنة والاستنزاف.
حين شنّت إسرائيل الحرب على إيران، أظهرت بشكلٍ لا لبس فيه أنها تتّبع منطقًا استراتيجيًا مختلفًا للغاية عن المنطق الذي وجّه لفترة طويلةٍ مقاربتها السياسية. قد تكون الولايات المتحدة مشارِكة في هذا الصراع، إلّا أنّ المسؤولين الأميركيين قدّموا مجموعةً من التفسيرات المحيّرة لأهدافهم، ولم يكونوا متّسقين سوى في نفي انخراطهم في "حربٍ أبدية". أما قادة إسرائيل، فكان موقفهم أقلّ التباسًا بكثير، إذ استنتجوا على ما يبدو أنهم يخوضون بالفعل حربًا أبدية، وأن المهمة لا تكمن في إنهائها، بل في إدارتها ضمن شروط مقبولة.
الواقع أنّ المسؤولين الإسرائيليين تبنّوا منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 منطقًا استراتيجيًا شكّل خروجًا حادًّا عن المسار الذي لطالما مَزَج بين الردع والهيمنة والدبلوماسية في المقاربة السياسية الإسرائيلية. وما اعتبره البعض ردَّ فعلٍ آنيًّا ناجمًا عن صدمة هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، كان في الواقع توجّهًا أكثر ديمومةً. فقد طغى على الردع والدبلوماسية نهجٌ أعنف، هو تفضيل الهيمنة والاستنزاف ومنع الخصوم من التعافي. هذا التحوّل يوجّه في الوقت الراهن مجموعةً واسعة من العمليات العسكرية التي تعيد تشكيل ملامح المنطقة.
استندت علاقات إسرائيل مع الدول المجاورة، خلال العقود الثلاثة الأولى من تأسيسها، إلى اتفاقيات هدنة. ومع أن إقامة علاقات سلمية بالكامل مع هذه الدول كانت هدفًا بارزًا، لم تسعَ إسرائيل إلى تحقيقه من خلال تقديم تنازلات، بل عبر استعراض قوتها على نحوٍ يجعل الانخراط العسكري خيارًا غير مرغوبٍ فيه (وفي حالتَين بارزتَين، لم يقتصر الأمر على استعراض الإمكانات العسكرية، بل جرى استخدام هذه القدرات بشكلٍ حاسم للاستيلاء على أراضٍ). ففي العامَين 1979 و1994، أفضى هذا النهج في النهاية إلى إبرام معاهدات سلام وإقامة علاقات دبلوماسية، لكن فقط مع مصر والأردن، وتطلّب الأمر في الحالة الأولى إعادة شبه جزيرة سيناء إلى السيادة المصرية.
ومنذ ستينيات القرن المنصرم، تَمثَّل التحدّي الأكثر استعصاءً من الحركة الوطنية الفلسطينية، لا من منطلق أنها تشكّل تهديدًا وجوديًا لإسرائيل، بل بسبب قدرتها على حشد الدعم في العالم العربي، واستقطاب الاهتمام العالمي، وتعريض حياة الإسرائيليين للخطر من خلال شنّ هجماتٍ على أهدافٍ مدنية. هنا أيضًا، كان للردع والدبلوماسية مكانهما: فقد تجلّى الردع من خلال التهديد بأن إسرائيل ستُقابِل أي هجمات تنطلق من أراضٍ عربية بردٍّ قاسٍ وغير متماثلٍ؛ في حين أن الدبلوماسية تمثّلت في الدعم الأميركي، وبدرجة أقلّ الدعم الأوروبي، لتدابير تحوّلت تدريجيًا إلى حملةٍ واسعة ضدّ الفصائل المُصنَّفة في خانة التنظيمات الإرهابية.
لقد عمل منطق الردع – الذي فُرض أحيانًا بقساوة شديدة – من خلال الضغط على بعض الدول، ولا سيما مصر وسورية، حيث التزم النظامان بضبط حدودهما إلى حدٍّ كبير، ومَنَعا الفلسطينيين من خوض ما أسمته الفصائل الفلسطينية "عملها الثوري" انطلاقًا من الأراضي المصرية والسورية. لكن في الأردن، كاد هذا النهج أن يأتي بنتائج عكسية قبل أن ينجح، إذ أسهم في إشعال فتيل حربٍ أهلية قصيرة الأمد انتهت بإقدام الجيش الأردني على طرد الفصائل الفلسطينية. أما في لبنان، فقد اصطدم هذا النهج بنظامٍ سياسي هشّ وتوتّرات داخلية عميقة، وأسفر عن انزلاق البلد إلى حربٍ أهلية وتفكّك الدولة.
لقد اتّخذ ردّ إسرائيل على هذا الإخفاق أشكالًا متعدّدة، إذ انطوى في الغالب على استخدام القوة العسكرية، وتمحور جزءٌ كبيرٌ منه حول السعي إلى إيجاد – أو حتى إنشاء - كيانٍ قابلٍ للردع. ولعلّ أكثر هذه المحاولات طموحًا تمثّلت في افتراض وزير الدفاع الإسلائيلي آنذاك أرييل شارون في العام 1982 أن اجتياح لبنان، ودفع القيادة الفلسطينية للعودة إلى الأردن، والسماح بتحوّل الأردن إلى دولة فلسطينية، هي خطوات ستفضي في النهاية إلى إيجاد جهةٍ فلسطينية يمكن ردعها، كما يمكن إبقاء قيادتها خارج فلسطين.
أسفر هذا المسعى عن مقتل عشرات آلاف الأشخاص من دون أن يُثبت صحة توقّع شارون بأن "هذه الحرب قد تكون آخر حرب نخوضها في المنطقة، إذا ما تمسّكنا بأهدافنا". فالواقع أن التداعيات كانت إشكاليةً، إن لم تكن تهديدًا وجوديًا. لقد استمرّ احتلال إسرائيل لجزءٍ كبير من جنوب لبنان حتى أيار/مايو 2000؛ وطُرِدَت القيادة الفلسطينية، لكن إلى تونس بدلًا من الأردن؛ وأطلق الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة شرارة الانتفاضة الأولى في كانون الأول/ديسمبر 1987؛ وبرز حزب الله في نهاية المطاف بوصفه خصمًا بارزًا في مناطق واسعة من لبنان.
لكن اتفاقيات أوسلو أعادت قدرًا من هذا المنطق، وإن على نحوٍ أكثر تعقيدًا. فهي لم تكن مجرّد عملية سلام، بل شكّلت أيضًا مسعى لإنشاء سلطة فلسطينية تتولّى حكم الفلسطينيين، وتُنسّق أمنيًا مع إسرائيل، وتُحوّل حركةً وطنيةً مشتّتةً إلى جهةٍ يمكن الضغط عليها والتفاوض معها واحتواؤها. وعلى النحو نفسه، سعت الحملة العسكرية الإسرائيلية الواسعة على لبنان، في نيسان/أبريل 1996، إلى استخدام النزوح الجماعي والوساطة الدولية لفرض ضبط النفس، لا على حزب الله فحسب، بل أيضًا على الدولة اللبنانية والقوى الخارجية، ولا سيما سورية، على أمل التوصّل إلى نتيجةٍ أكثر استقرارًا عبر المسار الدبلوماسي.
وحتى حماس، بعد سيطرتها على غزة في العام 2007، لم تُعامَل لفتراتٍ طويلة على أنها شريكٌ للسلام، بقدر ما اعتُبِرَت جهةً يمكن التعامل معها دبلوماسيًا وردعها. فكان أن أنتجت الحروبُ الدورية، والهدن التي توسّطت فيها مصر، واتفاقيات وقف إطلاق النار المتكرّرة، صيغةً قاتمة من التعايش القائم على الأمر الواقع.
لكن هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر حطّم الثقة في ذلك النموذج. فلم يقتصر ردّ إسرائيل في غزة على سعيها إلى استعادة الردع فحسب، بل سرعان ما امتدّ إلى تحقيق هدف جذريّ أكثر، وهو ضمان ألا يتمكّن الخصم من البروز مجددًا كقوة حاكمة أو عسكرية. أما الدبلوماسية الإقليمية، فلا مكان لها في الوقت الراهن؛ ينبغي الحفاظ على معاهدات السلام، ولكن إبرام معاهدات جديدة هو هدفٌ ثانويٌّ يُؤجَّل إلى وقتٍ أنسب. وحدها العلاقة مع الولايات المتحدة تحتاج إلى إدارة.
هذا المنطق نفسه يظهر الآن في مناطق أخرى غير غزة. ففي سورية، تجاوزت إسرائيل هدف إبقاء الحدود هادئة، إذ دخلت المنطقة المنزوعة السلاح التي أُنشِئَت في العام 1974، واستهدفت أصولًا عسكرية، وتدخّلت في السياسات الطائفية الداخلية لسورية. ولم تَعُد المسألة تقتصر على ردع التهديد السوري، بل يبدو أن الدافع العملي هو ضمان ألا يتمكّن أيّ نظام سوري تراه إسرائيل تهديدًا من إعادة التشكّل بصورة متماسكة على حدودها الشمالية الشرقية.
وينطبق الأمر نفسه على إيران ولبنان، حيث يبدو أن الهدف العملي لم يَعُد تشكيلَ سلوك الخصم، بقدر ما يتمثّل في إضعاف قدراته، وتفتيت الساحات المُعادية، ومنع جهود التعافي. إن النزوح الجماعي الذي شهده لبنان في العام 1996 يتكرّر اليوم على نطاقٍ أشدّ تدميرًا بكثير، في حين أن الدولة اللبنانية والدبلوماسية هما من بين الضحايا هذه المرة، بدلًا من أن تكونا جزءًا من أيّ حلّ.
يركّز الكثير من التحليلات التي تتناول ما تفعله إسرائيل مذّاك الحين على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شخصيًا، وربما يضطلع منطقه الانتخابي وهوسه طويل الأمد بإيران فعلًا بأهميةٍ كبيرة في هذه المسألة. لكن نتنياهو نفسه كان منخرطًا إلى حدٍّ كبير في النهج القديم، ولا سيما في الجهد الذي بُذِل طويلًا لاحتواء حماس بدلًا من القضاء عليها. لذا، إن هذا التحوّل المفاجئ هو تبدّلٌ في السياسات بقدر ما هو تبدّلٌ في الشخصية.
قد تُحقّق هذه الاستراتيجية نجاحاتٍ فعلية، إذ أظهرت إسرائيل قوة عسكرية استثنائية، وإمكانات استخباراتية لافتة، وحرية حركة هائلة، وقدرة على تكبيد أعدائها أثمانًا باهظة. لكن هذه الاستراتيجية تفضي إلى منطقةٍ لا نهاية واضحة للحرب فيها، لأن الحرب لم تَعُد تُستخدَم لإرساء ترتيبٍ سياسي ثابت، بل أصبحت هي الترتيب نفسه.
عن المؤلف
باحث أول غير مقيم, برنامج الشرق الأوسط
ناثان ج. براون أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، وباحث مرموق، ومؤلّف ستة كتب عن السياسة العربية نالت استحساناً.
- مخاطر قانون الأحزاب الجديد في السلطة الفلسطينيةتعليق
- غزة: مختبر المأساة المستمرّةتعليق
ناثان ج. براون
الأعمال الحديثة
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
المزيد من أعمال ديوان
- تمديدٌ تحت النارتعليق
قد يبدو قرار مجلس النواب اللبناني استثنائيًا للوهلة الأولى، لكنه في الواقع ليس كذلك.
عصام القيسي
- ذكرى الأربعين المؤجَّلةتعليق
إلى جانب التدمير والتهجير، تمنع الحرب أيضًا اللبنانيين من الحداد على أحبّائهم.
نجوى ياسين
- الحرب وارتداداتها في الخليج العربيتعليق
إن طريقة تعامل دول المنطقة مع تداعيات الضربات الإيرانية تنطوي على مفارقة.
انجي عمر
- الآتي قد يكون أعظمتعليق
تتناول نيكول غرايفسكي، في مقابلةٍ معها، الأبعاد العسكرية للهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران.
مايكل يونغ
- حربٌ بلا استراتيجيةتعليق
قد تؤدّي حالة التخبّط التي تعيشها الإدارة الأميركية بشأن إيران إلى مزيدٍ من العنف وعدم الاستقرار في المرحلة المقبلة.
مروان المعشّر